فخر الدين الرازي

51

تفسير الرازي

بقوله : * ( أولئك يئسوا ) * فحرمها عليهم ولو طمعوا لأباحها لهم ، فلو قال قائل ما ذكرت من مقابلة الأمرين وهما اليأس والعذاب بأمرين وهما الكفر بالآيات والكفر باللقاء يقتضي أن لا يكون العذاب الأليم لمن كفر بالله واعترف بالحشر ، أو لا يكون اليأس لمن كفر بالحشر وآمن بالله فنقول : معنى الآية أنهم يئسوا ولهم عذاب أليم زائد بسبب كفرهم بالحشر ، ولا شك أن التعذيب بسبب الكفر بالحشر لا يكون إلا للكافر بالحشر ، وأما الآخر فالكافر بالحشر لا يكون مؤمناً بالله لأن الإيمان به لا يصح إلا إذا صدقه فيما قاله والحشر من جملة ذلك . قوله تعالى * ( فَما كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ احَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِى ذلِكَ لاََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * . لما أتى إبراهيم عليه السلام ببيان الأصول الثلاثة وأقام البرهان عليه ، بقي الأمر من جانبهم إما الإجابة أو الإتيان بما يصلح أن يكون جوابه فلم يأتوا إلا بقولهم * ( اقتلوه أو حرقوه ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : كيف سمى قولهم * ( اقتلوه ) * جواباً مع أنه ليس بجواب ؟ فنقول ( الجواب عنه ) من وجهين أحدهما : أنه خرج منهم مخرج كلام المتكبر كما يقول الملك لرسول خصمه جوابكم السيف ، مع أن السيف ليس بجواب ، وإنما معناه لا أقابله بالجواب ، وإنما أقابله بالسيف فكذلك قالوا لا تجيبوا عن براهينه واقتلوه أو حرقوه * ( الثاني ) * هو أن الله أراد بيان ضلالهم وهو أنهم ذكروا في معرض الجواب هذا مع أنه ليس بجواب ، فتبين أنهم لم يكن لهم جواب أصلا وذلك لأن من لا يجيب غيره ويسكت ، لا يعلم أنه لا يقدر على الجواب لجواز أن يكون سكوته لعدم الالتفات ، أما إذا أجاب بجواب فاسد ، علم أنه قصد الجواب وما قدر عليه . المسألة الثانية : القائلون الذين قالوا اقتلوه هم قومه والمأمورون بقولهم اقتلوه أيضاً هم ، فيكون الآمر نفس المأمور ؟ فنقول الجواب عنه : من وجهين أحدهما : أن كل واحد منهم قال لمن عداه اقتلوه ، فحصل الأمر من كل واحد وصار المأمور كل واحد ولا اتحاد ، لأن كل واحد أمر غيره وثانيهما : هو أن الجواب لا يكون إلا من الأكابر والرؤساء ، فإذا قال أعيان بلد كلاما يقال اتفق أهل البلدة على هذا ولا يلتفت إلى عدم قول العبيد والأرذال ، فكان جواب قومه وهم الرؤساء أن قالوا لأتباعهم وأعوانهم اقتلوه ، لأن الجواب لا يباشره إلا الأكابر والقتل لا يباشره إلا الأتباع . المسألة الثالثة : * ( أو ) * يذكر بين أمرين الثاني منهما ينفك عن الأول كما يقال زوج أو فرد ، ويقال هذا إنسان أو حيوان ، يعني إن لم يكن إنساناً فهو حيوان ، ولا يصح أن يقال هذا حيوان